ابراهيم بن عمر البقاعي
409
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بالدرجات الحامل عليها العقل الداعي إلى أحسن تقويم ، والعقاب المشار إليه بالكفارات الداعي إلى أسبابها الوساوس الشيطانية الرادة إلى أسفل سافلين التي سأل إبليس الإنظار لأجلها ، وسبب اختلافهم في مقادير الجزاء اختلاف مقادير الأعمال الباطنة من صحة النيات وقوة العزائم وشدة المجاهدات ولينها على حسب دواعي الحظوظ والشهوات التي كان سبب علمهم بها الاختصام في أمر آدم عليه السّلام وما نشأ عنه من تفصيله بأمور دقيقة المأخذ المظهرة لأن الفضل ليس بالأمور الظاهرة ، وإنما هو بما يهبه اللّه من الأمور الباطنة ، وسمي تقاولهم في ذلك اختصاما دلالة على عظمة ما تقاولوا فيه ، لأن الخصومة لا تكون إلا بسبب أمر نفيس ، فالمعنى أن الملائكة كل واحد منهم مشغول بما أقيم فيه من الخدمة ، فليس بينهم تقاول يكون بغاية الجد والرغبة كما هو شأن الخصام إلا في هذا لشدة عجبهم منه لما يعلمون من صعوبة هذه الأمور على الآدمي لما عنده من الشواغل والصوارف عنها بما وهبهم اللّه من العلم جزاء لانقيادهم للطاعة بالسجود بعد ذلك الخصام فنزوغ الآدمي عن صوارفه وحظوظه إلى ما للملائكة من الصفوف في الطاعة والإعراض أصلا عن المعصية غاية في العجب ، وعلمه صلّى اللّه عليه وسلّم لما في السماوات وما في الأرض علم عام لما كان في حين الرؤيا ظهر له به ملكوتهما ، ونسبة ذلك كله إلى علم اللّه تعالى كالنسبة التي ذكرها الخضر لموسى عليهما السّلام في نفرة العصفور من البحر ، والذي ذكره العلماء في ذلك أنه تقريب للإفهام فإنه لا نسبة في الحقيقة لعلم أحد من علمه تعالى ولا بنقص علمه أصلا سبحانه عما يلم بنقص أو يدني إلى وهن قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً [ الكهف : 109 ] وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [ لقمان : 27 ] يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا [ المائدة : 109 ] ويقال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ناس اختلجوا دونه عن حوضه « إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ؟ فيقول : فسحقا سحقا » « 1 » . ولما تم ما أراد من الدليل على أن ما ذكره لهم نبأ عظيم هم عنه معرضون بما أخبر به من الغيب مع ما له من الإعجاز ، فثبت بذلك ما اقتضى أنه صادق في نسبته إلى اللّه تعالى ، وختم بالتحذير من اتباع إبليس ، أمره بالبراءة من طريقه وأن ينفي عن نفسه ما قد يحمل على التقول بقوله : قُلْ أي لأمتك : ما أَسْئَلُكُمْ سؤالا مستعليا ، وعلق به لا « بأجر » قوله : عَلَيْهِ أي على التبليغ والإنذار مما أنتم متعرضون له من الهلاك بالإعراض ، فأداة الاستعلاء للاحتراز عن سؤال المودة في القربى وحسن الاتباع
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 6576 وأحمد 1 / 455 و 439 و 453 عن ابن مسعود رضي اللّه عنه . وأخرجه مسلم 249 والنسائي 1 / 93 وابن خزيمة ( 6 ) وابن حبان 1046 عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه .